Vinkmag ad

ياسن الطراسي : مهندس معماري رئيس الجمعية الوطنية للمعماريين والمهندسين الشباب المغربي و باحث في التعمير

حين يكون النص مكتملا والممارسة معلَّقة: قراءة في مسطرة الهدم بالمغرب

ثمة في الترسانة التشريعية المغربية مفارقة لا يلتفت إليها النقاش العام بما يكفي. فحين يقع حادث في ورشة هدم، يُسارع الجميع إلى الحديث عن «الفراغ القانوني»، وكأن المُشرّع لم يفعل شيئا. والحقيقة أن المُشرّع فعل الكثير، بل إنه فعل أكثر مما يتوفر في تشريعات مجاورة. ما لم يُفعل، أو لم يكتمل بعد، يقع في مكان آخر: في المسافة بين النص المكتوب والممارسة الميدانية، وبين الإطار الوطني والمعايير المهنية التي صارت لغة عالمية في هذا التخصص.
الكتابة في هذا الموضوع لا تنبع من رغبة في تعداد الإخفاقات، ولا في رفع الصوت. تنبع من قناعة بسيطة: حين يكون لدينا نص جيد، فإن الواجب الأول هو أن نقرأه قراءة دقيقة، ثم أن نعرف بالضبط أين يقف، وأين يحتاج إلى من يُكمل عمله. هذا ما تحاوله السطور التالية.

أولا: ما يقوله النص بدقة
منذ سنة 2016، لم يعد ممكنا قانونيا أن تُهدَم بناية بالمغرب دون رخصة إدارية مسبقة يُسلّمها رئيس مجلس الجماعة. هذا التحوّل، الذي جاء به القانون 66-12 الصادر بالظهير الشريف رقم 1-16-49 بتاريخ 27 أبريل 2016، أحدث ركيزة جديدة في القانون 12-90 المتعلق بالتعمير، هي المادة 63-1 التي كرّست رخصة الهدم بوصفها إجراء مستقلا، له نظامه ومسطرته وعقوباته.

النص لم يبق عند هذا الحد. فقد جاء المرسوم رقم 2-18-475 الصادر في 12 يونيو 2019 ليُحدّد المسطرة الكاملة، ثم القرار المشترك رقم 337-20 الصادر في 21 يناير 2020 (المعدَّل بالقرار المشترك 1032-21) ليُفصّل، في فقرته 6.1، الوثائق التي يتعيّن أن يتضمنها كل ملف رخصة هدم. وحين تُقرأ هذه الفقرة بعناية، يتبيّن أن المُشرّع المغربي لم يكتفِ بفرض رخصة، بل اشترط معها بنية تقنية كاملة: عقد مع مقاولة متخصصة، عقد مع مهندس متخصص، صور للبناية المعنية والمباني المجاورة، ودراسة تقنية مفصّلة في خمسة عناصر متلازمة، تشخيص حالة البناية، الإجراء التقني المعتمد، التدابير الوقائية والإعلامية والإشارية، مراحل التنفيذ، والتدابير الضامنة لسلامة واستقرار المباني المجاورة.
وللنص المغربي ما يتميّز به. فالنموذج الرسمي للمقرر القاضي بمنح الرخصة يُلزم صاحب الطلب بإشعار رئيس مجلس الجماعة، خمسة عشر يوم عمل على الأقل قبل بداية الأشغال، بمراسلة موقعة من المهندس المتخصص. هذا الإشعار المسبق، الذي يُؤدي وظيفة استمارة F10 في النظام البريطاني CDM 2015، يجعل من الورشة موضوعا معلوما للسلطة الجماعية وللوقاية المدنية قبل أن تنطلق. أكثر من ذلك، يُلزم النموذج صاحبَ الطلب، بعد انتهاء الأشغال، بشهادة من المهندس المتخصص، مدعّمة بالصور، تُثبت أن العملية لم تُلحق ضررا بالجوار. هذه الشهادة المُصوَّرة، التي يندر أن نجد لها مثيلا في تشريعات المنطقة، تُحوّل المهندس إلى ضامن إثباتي لما جرى على الأرض.

ولهذا البناء التشريعي امتدادات. القانون 94-12 ينظم البنايات الآيلة للسقوط، بأجل طعن مختصر مدته عشرة أيام يستجيب لطبيعة الخطر الداهم. القانون 66-12 يمنح مراقبي التعمير صفة الضابطة القضائية، ويُجيز الإيقاف الفوري للأشغال، ويُقرّر عقوبات يمكن أن تصل إلى خمسة ملايين درهم وخمس سنوات سجنا في الحالات الأشد. القانون 59-13، الذي دخل حيز النفاذ في دجنبر 2024، فرض التأمين الشامل عن الورش والتأمين عن المسؤولية المدنية العشرية على عمليات البناء.

عند تركيب هذه القطع، تحصل صورة واضحة: المُشرّع المغربي وضع، في المستوى النظري، إطارا يُغطي وظيفيا ما يفرضه النظام الأمريكي من خلال الـ Engineering Survey في OSHA 1926.850، ويُضيف إليه إلزامية الإشعار المسبق وإلزامية الشهادة المصورة. هذا، في حد ذاته، إنجاز يستحق أن يُذكر.
ثانيا: ما لم يقله النص
غير أن النص الجيد يبقى نصا. وما يفرضه على المهندس هو ما يُمكن تسميته بـ«رؤوس» الدراسة التقنية: عناوين كبرى ينبغي أن تُعالَج. لكنه لا يُحدّد، في أي مادة، كيف تُعالَج. لا يقول للمهندس بأي معدلات وأي طرق وأي حدود. يترك له ذلك، باعتبار أن الفنّ المهني يعرف ما يلزم. وفي عالم تقني صارت فيه كل تفاصيل الهدم محددة بالميليمتر والثانية، يُصبح هذا الترك سلاحا ذا حدّين.

أين تظهر هذه التفاصيل المحددة؟ في أربعة مجالات على الأقل، صارت لها مرجعية دولية لا يُجادل فيها أحد.
في ميكانيكا الانهيار، يُخصّص المعيار البريطاني BS 6187:2011 بنده الرابع عشر لما يُسمّى بـ«آلية الانهيار التدريجي المتحكَّم فيه»، حيث يصف، خطوة بخطوة، كيف تُهدم بناية متعددة الطوابق: تفكيك الأعمدة عمودا عمودا، الحفاظ على ما يُسمى بـ«المربع الحامل» في كل لحظة، التوجّه نحو جدران القص كنقاط قوة هيكلية. ويُخصّص بنده الخامس عشر لمنع الانهيارات غير المخططة، عبر مخطط تدفق صارم في ست خطوات. هذا المعيار، الذي يحمل سلطة حقيقية في المملكة المتحدة وفي بلدان الكومنولث، لا معادل له في النص المغربي.

وفي القواعد التشغيلية للهدم الميكانيكي، تفرض الفقرة 1926.859 من تنظيم OSHA الأمريكي، بدقة لا تترك مكانا للاجتهاد، أن لا يتجاوز وزن الكرة الحديدية المستخدمة في الهدم 50 في المائة من الحمولة الاسمية للرافعة، أو 25 في المائة من قوة قطع الكابل، أيهما أقل. وأن تُربَط برابطة من نوع swivel لمنع الالتواء، وبوسيلة إضافية لمنع الانفصال. والفقرة 1926.858 تفرض، في تفكيك الهياكل المعدنية، أن يتم العمل عمودا عمودا، طابقا طابقا، دون قفز أي مستوى. هذه القواعد، التي تتحول في الممارسة الأمريكية إلى مرجعية ملزمة، لا توجد لها معادلات في نصوصنا.

في مراقبة الاهتزازات، يُعطي المعيار الألماني DIN 4150-3 أرقاما واضحة بالميليمتر في الثانية، حسب نوع البناية المجاورة: من 20 إلى 50 مم/ث للمباني الصناعية والتجارية، من 5 إلى 20 مم/ث للسكنية، من 3 إلى 10 مم/ث للمباني التراثية أو الحساسة. ويُرفَق هذا التحديد ببروتوكولات قياس مفصّلة: سيسموغرافات بمستشعرات ثلاثية المحاور، وضع المستشعرات على الأساسات وعلى الطابق الأخير، حدود إنذار وحدود إيقاف. في هذا المجال، يقف المهندس المغربي العامل قرب جدار قديم في مدينة عتيقة بدون أي مرجع كمي يحتجّ به أو يُلزم به نفسه.

في أعمال اللحام والقطع الحراري، تفرض المعايير الأمريكية NFPA 241 وNFPA 51B في طبعتها لسنة 2019 حراسة حريق ما بعد العمليات لا تقل عن 60 دقيقة، تُمدَّد إلى ساعتين أو ثلاث في حالات الخطر العالي. كما تُلزم بتعيين مدير لبرنامج الوقاية من الحريق، ومُرخِّص للأشغال يقوم بمراقبة منفصلة عن المُنفِّذ. هذا التأطير، الذي يستند إلى إحصائيات صارمة (4630 حريقا بنياتيا سنويا في الولايات المتحدة وحدها مرتبطة بأعمال لحام أو قطع)، لا يجد مرجعيته في أي نص مغربي.

النتيجة المنطقية لكل ما سبق، أن المهندس المغربي العامل في الهدم يجد نفسه، في كل ورشة، أمام مهمة فردية: أن يستجيب لما يطلبه النص الوطني من رؤوس، وأن يستورد، باجتهاده الشخصي، المعايير الدولية لسد ما لا ينزل إليه النص. هذه الفردية، التي تجعل جودة العملية رهينة بكفاءة موقّع الدراسة وضميره، ليست وضعا قابلا للاستمرار في تخصص له هذا القدر من التبعات على أرواح الناس وممتلكاتهم.
ثالثا: ثلاثة انزياحات بنيوية

ينبغي إذن أن نُسمّي الأشياء بأسمائها. الفجوة بين النص الجيد والممارسة الجيدة لا تُختزل في «نقص الوعي» ولا في «ضعف الالتزام»، كما يُكرَّر أحيانا. هي فجوة بنيوية، تنبع من ثلاثة انزياحات يُمكن وصفها بدقة.

الانزياح الأول هو غياب نظام اعتماد مهني للمقاولين والمهندسين العاملين في الهدم. الفقرة 6.1 تطلب «مقاولة متخصصة» و«مهندسا متخصصا»، لكنها لا تُعرّف الاختصاص. لا يوجد سجل وطني، لا توجد شهادة مرجعية، لا يوجد تكوين منظَّم. المملكة المتحدة تشترط شهادة CCDO للعاملين في الميدان، وشهادة Demolition Industry Association للمقاولات. فرنسا أحدثت شهادات Qualibat متخصصة. ألمانيا تربط الممارسة بمسارات تأهيلية معروفة. عندنا، يُمكن لأي مكتب دراسات في الهندسة المدنية، ولأي مقاولة بناء عامة، أن يتقدم لورشة هدم، حتى دون تجربة موثقة. وهذا الانزياح، الذي يبدو إجرائيا في الظاهر، يُؤثر مباشرة على جودة الدراسة التقنية المنصوص عليها في الفقرة 6.1، لأن قيمتها الفعلية تتوقف، في غياب مرجع موضوعي، على كفاءة موقّعها وحدها.

الانزياح الثاني هو الفصل بين أدوات المراقبة المنصوص عليها والقدرات التشغيلية المتوفرة. القانون 66-12 منح، نظريا، أدوات مراقبة قوية: صفة الضابطة القضائية للمراقبين، الإيقاف الفوري للأشغال، إحالة الملف على اللجنة الإدارية. لكن العدد المتاح من المراقبين، بالنسبة لكثافة عمليات البناء والهدم، يجعل المراقبة في الأغلب تفاعلية: تتدخل بعد الإشعار أو بعد الحادث، نادرا ما قبلهما. والإشعار المسبق ذي الـ15 يوما، رغم أهميته الإجرائية، يُودَع في كثير من الحالات دون أن يُترجَم إلى مراقبة ميدانية فعلية.
الانزياح الثالث هو الالتباس القائم حول تطبيق التأمين الإلزامي على عمليات الهدم الصرفة. القانون 59-13 جاء يُلزم بتأمين الورش والتأمين العشري لعمليات البناء. لكن قراءة هذا النص فيما يخص الهدم غير المتبوع بإعادة بناء فورية تبقى موضع تأويلات متباينة بين شركات التأمين. النتيجة العملية، اليوم، أن جزءا غير قليل من ورش الهدم الصرفة يُجرى دون تغطية تأمينية فعلية للجوار. وهذا الانزياح ليس تفصيلا. إنه يُحوِّل، في حال وقوع الضرر، المسؤولية المدنية الكاملة إلى المهندس والمقاولة مباشرة، عبر آلية المسؤولية العشرية المنصوص عليها في الفصل 769 من قانون الالتزامات والعقود. الجار يبقى محميا في النص، لكنه يجد نفسه أمام مسطرة قضائية طويلة لاسترداد ما لا يُسترد دائما.
رابعا: أربعة مسارات لاستكمال البناء
ما الذي يُمكن فعله؟ لا يحتاج المغرب، في الواقع، إلى إصلاح بنيوي للنص. النص جيد. ما يحتاج إليه أربع مكمّلات، يُمكن إنجازها في أفق منظور دون عبور ثقل المسطرة التشريعية.

أولا، اعتماد مرجع تقني وطني للهدم. هذا المرجع، الذي يُمكن أن يُصادق عليه المعهد المغربي للتقييس (إيمانور) بقرار وزاري مشترك، سيستوحي من المعايير الدولية المعترف بها (BS 6187 وOSHA Subpart T وDIN 4150 وNFPA 241)، مع تكييف خاص بالخصوصيات المغربية. السياق الزلزالي وفق RPS 2000/2011. الكثافة العمرانية في المدن العتيقة. حضور الجدران المشتركة في النسيج التقليدي. القيود المناخية في الجنوب. مرجع من هذا النوع لن يُغيّر النصوص القائمة، بل سيُكملها بإطار تشغيلي مرقّم، يُعطي للمهندس قاعدة محددة، وللمراقب أداة موضوعية، وللقاضي معيارا للتقييم في النزاعات.

ثانيا، تأسيس نظام اعتماد مهني تدريجي. هذا النظام يُمكن أن يُبنى عبر شراكة بين الجمعية الوطنية للمعماريين والمهندسين الشباب بالمغرب (NAYAUP)، والنقابة الوطنية للمعماريين بالقطاع الخاص، ووزارتي إعداد التراب الوطني والتجهيز، حول سجل وطني للمقاولين والمهندسين المتخصصين في الهدم، مبني على معايير موضوعية: التجربة الموثقة، التكوين المستمر، التجهيزات، تأهيل العاملين. هذا السجل لا يحتاج إلى أن يكون إلزاميا في انطلاقته. يكفي أن تمنحه الإدارات الجماعية أفضلية في معالجة الملفات، فيتولى السوق نفسه فرض المعيار تدريجيا. التجربة الفرنسية مع Qualibat، والتجربة البريطانية مع DIA-CCDO، تُقدّمان نموذجين قابلين للتكييف.

ثالثا، ترسيخ المراقبة الرقمية. تجربة منصة «روخص» المعتمدة في الجماعات الكبرى أعطت دليلا على نجاعة الرقمنة في تتبع ملفات التعمير. ربط نظام رخصة الهدم بقاعدة بيانات وطنية، يمكن للمراقب الميداني الوصول إليها مباشرة من جهازه المحمول، سيُحوّل المراقبة من نمط تفاعلي إلى نمط استباقي. وآلية لتفعيل أوتوماتيكي للمراقبة عند انقضاء أجل الإشعار المسبق ذي الـ15 يوما، ستُعطي لهذا الإجراء النصي أثره العملي.

رابعا، توضيح تطبيق التأمين الإلزامي على عمليات الهدم. قرار تفسيري من الهيئة المغربية لمراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي (ACAPS) كفيل بإنهاء الالتباس القائم. هذا القرار يُمكن أن يُلزم شركات التأمين بتغطية صريحة لعمليات الهدم الصرفة عند تأثيرها المُحتمل على المباني المجاورة، ويُحدد الحدود الدنيا للتعويض، وآجال التصفية. دون هذا التوضيح، يبقى تحويل الخطر التأميني إلى المهندس والمقاولة قائما، بكل ما يحمله من اختلال في توزيع المسؤولية المدنية.

خاتمة
الإطار المغربي لمسطرة الهدم ليس فارغا. هو، عند تركيبه التشريعي والتنظيمي، من بين الأكثر اكتمالا في المنطقة. والمشكلة ليست في النص. هي في ما يُحيط به ولم يكتمل بعد: مرجع تقني مرقّم، نظام اعتماد مهني، مراقبة رقمية، ووضوح تأميني. هذه الأربع مكمّلات، الممكنة على المدى المنظور وبدون تعديل تشريعي بنيوي، كفيلة بنقل المنظومة من مرحلة الإطار النصي شبه المكتمل إلى مرحلة المنظومة التشغيلية المتكاملة.

ما لا ينبغي أن نقوله بعد اليوم، أمام كل حادث ورشة، هو أن المغرب يفتقر إلى القانون. القانون موجود، ومُحكم، ويستحق أن يُقرأ. ما ينبغي أن نقوله، بدلا من ذلك، هو أن النص قد قام بنصيبه، وأن دور المهنة، ودور هيئات الاعتماد، ودور أجهزة المراقبة، ودور قطاع التأمين، أن يقوموا بنصيبهم. الانتقال من القانون المكتوب إلى القانون المُطبَّق ليس إصلاحا تشريعيا. هو مشروع جماعي، تتقاسم أعباءه أطراف متعددة، ويتقاسم ثماره المواطن المغربي في النهاية.

ياسين الطراسي
مهندس معماري ـ رئيس الجمعية الوطنية للمعماريين والمهندسين الشباب بالمغرب
باحث في التعمير

الهدم #التعمير #المغرب #الهندسةالمعمارية #ANJA #قانونالتعمير #المسؤولية_العشرية

Vinkmag ad

Read Previous

السيد حموشي يقوم بزيارة عمل إلى فيينا من 5 إلى 7 ماي الجاري على رأس وفد أمني هام (بلاغ DGSN/DGST)

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Most Popular