تصاعد التوترات العالمية يدفع أسعار المحروقات نحو مستويات قياسية
مازال سوق الطاقة العالمي يشهد موجات جديدة من الارتفاعات المتتالية في أسعار المحروقات، مدفوعة أساسا بتصاعد الحرب في الشرق الأوسط وما تخلفه من اضطرابات عميقة في الإمدادات وحالة غير مسبوقة من عدم اليقين الاقتصادي.فمنذ اندلاع المواجهات قفزت أسعار النفط بشكل لافت لتلامس 120 دولارا للبرميل، وخلال هذا الأسبوع تجاوز سعر خام برنت عتبة 100 دولار للبرميل، ليلامس 110 دولارات للبرميل، مع تسجيل زيادات تجاوزت 40% خلال شهر واحد فقط، في مؤشر واضح على حساسية السوق لأي توتر جيوسياسي في منطقة تعد القلب النابض لإنتاج الطاقة عالميا.كما أدت المخاوف المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس الإمدادات العالمية من النفط، إلى تفاقم الضغوط على الأسعار ورفعها إلى مستويات قياسية في بعض الفترات.ولا يقتصر تأثير الحرب على الارتفاع الفوري للأسعار، بل يمتد إلى إحداث اختلالات هيكلية في السوق؛ فقد تسببت الهجمات الإيرانية على منشآت الطاقة في تضرر عشرات المواقع الحيوية في منطقة الخليج، خاصة في قطر والكويت والبحرين، ما يعني أن عودة الإنتاج إلى مستوياته الطبيعية قد تستغرق وقتا طويلا، حتى في حال توقف العمليات العسكرية، وهو ما يعزز فرضية ارتفاعات جديدة للأسعار في السوق العالمية.وفي هذا السياق يؤكد المحلل والخبير الإستراتيجي سعيد بركنان أن “الأسواق اليوم لا تتفاعل فقط مع المعطيات الحالية، بل مع توقعات المستقبل”، مضيفا أن “حالة اللايقين التي تحيط بمآلات الحرب تجعل المستثمرين يتجهون إلى تسعير المخاطر بشكل مبالغ فيه، ما يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى من قيمتها الحقيقية”.ويؤكد المتحدث في السياق ذاته أن “استمرار التوتر قد يدفع الأسعار إلى تجاوز مستويات قياسية جديدة، خاصة إذا طال أمد تعطل الإمدادات أو توسعت رقعة الصراع”.هذه المخاوف -يضيف بركنان- “تعززها تقارير دولية تشير إلى أن أي تعطل طويل في تدفقات النفط قد يؤدي إلى فقدان ملايين البراميل يوميا من السوق، وهو ما من شأنه أن يحدث صدمة طاقية عالمية غير مسبوقة. كما أن هذا الوضع يندر بتداعيات أوسع، تشمل ارتفاع معدلات التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي، في ظل اعتماد الاقتصاد العالمي الكبير على الطاقة الأحفورية”.هذه الارتفاعات في السوق العالمية انعكست بشكل سريع على الأسواق المحلية، ففي أوروبا ارتفع سعر اللتر الواحد من المحروقات ليتجاوز 24 درهما في فرنسا وإسبانيا، ويتجاوز هذا الرقم في ألمانيا ليصل إلى 27 درهما. وفي المغرب يلامس ثمن اللتر الواحد من الغازوال 12.8، بينما بلغ سعر اللتر من البنزين 13.9 درهما.وفي المحصلة يبدو أن سوق المحروقات يعيش على وقع مرحلة شديدة التقلب، حيث تتداخل العوامل الجيوسياسية مع الحسابات الاقتصادية، في مشهد مفتوح على جميع الاحتمالات. وبين سيناريوهات الانفراج والتصعيد يبقى العامل الحاسم هو مدة الحرب، التي قد تحدد ما إذا كانت الأسعار ستستقر تدريجيا، أم ستواصل صعودها نحو مستويات غير مسبوقة.
